ابن قيم الجوزية

676

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ويا من يوحّد محبوبه * ويرضيه في مشهد ، أو مغيب ولو سخط الخلق في وجهه * لقال هوانا . ولو بالنسيب حظيت وخابوا فلا تبتئس * بكيد العدو وهجر الرقيب منزلة الغيرة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الغيرة » قال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] وفي الصحيح عن أبي الأحوص عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه . قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما أحد أغير من اللّه ، ومن غيرته : حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وما أحد أحبّ إليه المدح من اللّه . ومن أجل ذلك : أثنى على نفسه . وما أحد أحبّ إليه العذر من اللّه . من أجل ذلك : أرسل الرسل مبشرين ومنذرين » . وفي الصحيح أيضا ، من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال : « إن اللّه يغار ، وإن المؤمن يغار ، وغيرة اللّه : أن يأتي العبد ما حرم عليه » . وفي الصحيح أيضا : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أتعجبون من غيرة سعد ؟ لأنا أغير منه . واللّه أغير مني » . ومما يدخل في الغيرة قوله تعالى : وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ( 45 ) [ الإسراء : 45 ] . قال السري لأصحابه : أتدرون ما هذا الحجاب ؟ حجاب الغيرة . ولا أحد أغير من اللّه . إن اللّه تعالى لم يجعل الكفار أهلا لفهم كلامه ، ولا أهلا لمعرفته وتوحيده ومحبته . فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجابا مستورا عن العيون ، غيرة عليه أن يناله من ليس أهلا له . و « الغيرة » منزلة شريفة عظيمة جدا ، جليلة المقدار . ولكن الصوفية المتأخرين « 1 » منهم من قلب موضوعها . وذهب بها مذهبا باطلا . سماه « غيرة » فوضعها في غير موضعها . ولبّس عليه أعظم تلبيس . كما ستراه . « والغيرة » نوعان : غيرة من الشيء . وغيرة على الشيء . والغيرة من الشيء : هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك . والغيرة على الشيء : هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك دونك أو يشاركك في الفوز به . و « الغيرة » أيضا نوعان : غيرة العبد من نفسه على نفسه ، كغيرته من نفسه على قلبه ، ومن تفرقته على جمعيته ، ومن إعراضه على إقباله ، ومن صفاته المذمومة على صفاته الممدوحة . وهذه الغيرة خاصية النفس الشريفة الزكية العلوية . وما للنفس الدنية المهينة فيها نصيب . وعلى قدر شرف النفس وعلو همتها تكون هذه الغيرة .

--> ( 1 ) وهل يكون تحري المتأخرين لما رسم لهم شيوخهم المتقدمون ذنب يسقطون عن درجة شيوخهم مثل أبي يزيد والشبلي ، وعن درجة أئمتهم من فلاسفة الهند واليونان وغيرهم ؟ .